أحمد بن محمد ابن عربشاه
443
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ وعلى كل تقدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم ، إن الأولاد بين الأبوين وبين الآخرة سد عظيم ، ما يخلص مع الالتفات إليهم لله طاعة ، ولا على الانقطاع منهم إلى طريق الآخرة استطاعة ، وناهيك يا ذا الذكاء والفطنة إخبار من أنقذك من هذه المحنة إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] فاسمع هذا الكلام بإذن التحقيق ، واسلك في سبر معانيه أوضح طريق ، وحقق يا ذا الإرشاد أن وجود الأولاد عند ذوى البصيرة من النقاد نقد مزيف ، ومتاع مزخرف ، وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى ، وعارية مردودة بعد أوقات معدودة ، وأيام محدودة ، بل لعبة من خشب مموهة بالذهب ، وطلاء من نضار على كوب من فخار ، وقد نبه على هذا رب العباد بقوله أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [ الحديد : 20 ] . وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن دقائق الأسرار ، إذا نظروا إلى اللعبة المزينة والخشيبات المصبغة المستحسنة ، التهوا بها عن اكتساب الآداب ، وملازمة العلماء والمشايخ والكتاب ، فيبلغون وهم جاهلون ، وعن طريق اكتساب الكمال ذاهلون ، ويشيبون وهم أحداث ، ويتصورون أنهم طاهرون وهم أخباث ، كذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره ، والتهت بأمور الدنيا من المال والولد سرائره وضمائره ، وحرم من الاطلاع على دقائق الملك والملكوت ، وفاته لذّات الوقوف على دقائق الرغبوت والرهبوت « 1 » ، فهو عن الله تعالى محجوب ، وفي عساكر الأموات وإن كان حيا محسوب ، كما قيل : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله * وأجسادهم دون القبور قبور وإن امرأ يحى بالعلم قلبه * فليس له حتّى النّشور نشور
--> ( 1 ) الترغيب ، والترهيب .